الجاحظ
6
المحاسن والأضداد
للجاحظ مقدمته التي يعترف فيها أبو عثمان أنه كان ينحل غيره - أمثال ابن المقفع ، والخليل بن أحمد ، وسلم صاحب بيت الحكمة ، والعتابي ، ويحيى بن خالد ، وأشباههم - بعض كتبه ، لتروج . وأن بعض الكتاب في عصره كانوا يغيرون على كتبه ويسرقون بعض فصولها ومعانيها ويؤلفون منها كتبا ينسبونها لأنفسهم . ثم يعلن نسبة الكتاب إليه قائلا : « وهذا كتاب وسمته بالمحاسن والأضداد لم أسبق إلى نحلته ولم يسألني أحد صنعه ، ابتدأته بذكر محاسن الكتابة والكتب ، وختمته بذكر شيء من محاسن الموت . واللّه يكلأه من حاسد إذا حسد » . والحق أن هذه المقدمة التي لا تتعدى صفحة واحدة إنما هي فقرة استلت من رسالة للجاحظ طويلة عنوانها « فصل ما بين العداوة والحسد » ووضعت في صدر هذا الكتاب لتخفي حقيقته . بيد أن ما جاء فيها بصدد النحل والسرقة يشكل برهانا على نحل الكتاب ، أو عدم صحة نسبته للجاحظ : إن قلق الناحل من انكشاف فعلته وخوفه من أن يرمى بالنحل دفعاه إلى الكلام على النحل وابعاد التهمة عن نفسه . وإمعانا في تضليل القارئ أورد المؤلف بابين في أول الكتاب : باب في محاسن الكتابة والكتب ، وباب في مساوئ اللحن في اللغة . وكلاهما من كلام الجاحظ . استقى الأول من كتاب الحيوان واستقى الثاني من كتاب البيان والتبيين مع بعض التصرف . أما سائر أبواب الكتاب التي تناهز الستين فإن عناوينها أو موضوعاتها طرقها الجاحظ في مختلف كتبه ولكن محتوياتها غير موجودة في تلك الكتب . وقد فزع المؤلف إلى وسيلة أخرى للتمويه هي الجدل . والجدل يعني هنا قول الشيء وضده . وقد أولع الجاحظ بالجدل حتى غدا سمة من سمات كتاباته ، فنهج المؤلف هذا النهج تقليدا للجاحظ . فهو يعدد محاسن الشيء ثم يردف ذلك بتعداد مساوئه : محاسن المخاطبات